05 مايو 2026 - 02:53 م
|
مايكل يوسف
لم تعد كرة القدمِ لعبة تُمارس في الأزقة وتحلم بها الصبية، بعدما تحولت إلى إمبراطورية مالية عابرة للقارات..لعبة تدار بلغة الأرقام لا بلغة الاقدام.؛ ففي عام واحد فقط، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" تحقيق أرباح بلغت 7.5 مليارَ دولار من بطولة كأسِ العالم، بينما تجاوزت أرباح الدوري الإنجليزي الممتازِ وحده حاجز 7.6 مليارَ جنيه إسترليني في موسم 2024-2025، لتصبحَ حقوقُ البثِّ وحدها أغلى من ميزانياتِ بعض الدول النامية
بات واضحًا للعيان أن اللعبة حاليًا ما هي إلا صناعة يقوم فيها اللاعبون بدور تروس الآلة، حيث تتحول المباريات إلى منتجٍ تلفزيوني، فيما يصبح المشاهد هو المستهلك المستهدف، وهنا تكمنُ المفارقةُ الكبرى؛ كلَّما ازدادَت هذه الصناعةُ تنظيمًا على الورق، وتضخمًا في الأرقام، ازدادت فوضى على أرضِ الواقع. فالروزنامةُ التي وُضِعَت لتحقيق أقصى ربح ممكنٍ "تعدت حدود التشبع" باعترافِ الاتحادات المسؤولة، فهل دخلت بالفعل كرة القدم "عصرَ الفوضى المُصنعة"؟
سؤال سنحاول الإجابة عليه من خلال دراسة بعض الوقائع التي شهدتها اللعبة في العامين الأخيرين:
1- كأس العالم للأندية 2025
∙ اختيار توقيت النسخة الجديدة من كأس العالم للأندية بمشاركة 32 فريقًا للمرة الأولى وضع لاعبي الأندية الأوروبية أمام معادلة قاسية بعد إنهاء موسم كروي شاق، وإلغاء مدة الراحة السلبية التي اعتادوا الحصول عليها في ذلك التوقيت، وهو ما سبب سخطًا واضحًا تجلى في تصريحات المدربين واللاعبين قبل وخلال البطولة، فلك أن تتخيل فريقًا مثل باريس سان جيرمان الفرنسي قد أنهى موسمه الشاق بالتتويج بلقب دوري أبطال أوروبا في نهاية مايو، ليجد نفسه مضطرًا للسفر بعيدًا للولايات المتحدة للعب في أجواء مغايرة تمامًا حتى الثالث عشر من يوليو 2025، ليضطر بعدها لخوض لقاء السوبر الأوروبي أمام توتنهام الإنجليزي بشهر واحد فقط، لتصبح مدة الراحة السلبية للتعافي الذهني والبدني للاعبين في مهب الريح أمام رغبة الفيفا في جني المزيد من الأموال.
∙ تسببت البطولة المستحدثة في ارتفاع عدد المباريات التي يخوضها اللاعب الأوروبي بشكل مبالغ فيه؛ فلك أن تتخيل لاعباً مثل فالفيردي الذي اضطر لخوض 65 مباراة مع ريال مدريد في الموسم المنقضي بمجموع 5566 دقيقة، فيما شارك باركولا في 73 مباراة في الموسم نفسه مع إضافة المباريات الدولية، وهي الأرقام التي دفعت العديد من المختصين في الطب الرياضي إلى التحذير من مغبة الأمر، وما قد يلحقه من إصابات عضلية باللاعبين رغم تطور آليات الاستشفاء والتعافي، علاوةً على الإجهاد الذهني، وهو ما قد يصب في النهاية في تراجع المردود الفني للمباريات.

∙ شهدت نسخة كأس العالم للأندية 2025 في الولايات المتحدة انتقادات واسعة النطاق بسبب فوضى التنظيم والتحديات اللوجستية، والتي تمثلت في مشاكل التنقل التي واجهت الأندية والجماهير في التنقل بين الولايات المتباعدة، علاوةً على ضعف الحضور الجماهيري الناجم عن الارتفاع الواضح في سعر التذاكر، مما دق ناقوس الخطر قبل استضافة أمريكا للمونديال في يونيو المقبل.
∙ عندما تصبح المباراة ماراثونًا من الانتظار، فإذا كان ضغط المباريات مشكلة، فإن ما حدث على الأرض كان أزمة تنظيمية مكتملة، بعدما شهدت البطولة توقف العديد من المباريات بسبب العواصف الرعدية، والبروتوكول الأمريكي الصارم للسلامة، ليصل إجمالي التأخير في المباريات إلى ثماني ساعات وتسع وعشرين دقيقة، وهو ما سبب أزمة للقنوات الناقلة للبطولة بالإضافة للمشجع الذي وجد نفسه في الملعب لأربع أو خمس ساعات، كما لو كان الأمر متعلقًا بمباراة تنس؛ فيكفي توقف مباراة بنفيكا وتشيلسي بدور الـ16 لقرابة الساعتين، وهو ما ضاعف بشدة من سخط المدربين واللاعبين على حد سواء بعد امتداد المباراة لأربع ساعات و39 دقيقة، فوصف إينزو ماريسكا مدرب تشيلسي الأمر وقتها بالمزحة السخيفة، فهل سيتكرر الأمر ذاته في المونديال مع الوضع في الاعتبار فارق التوقيت الزمني بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وهو ما قد يلحق خسائر مالية فادحة بالقنوات الحاصلة على حقوق البث؟

∙ لم تكن الناحية الأمنية في البطولة على النحو الأفضل بعدما شهدت المباراة النهائية بين باريس سان جيرمان وتشيلسي استنفارًا أمنيًا غير مسبوق بسبب تزامنها مع الانتخابات الأمريكية، وهو ما تسبب في استياء المشجعين، إلا أن البطولة نجحت في تفادي تلك الصورة الكارثية التي ظهرت عليها الولايات المتحدة عند استضافة بطولة "كوبا أمريكا" عام 2024، والتي حفلت بأحداث الفوضى والشغب الجماهيري الذي تجلى في أقبح صوره بمشهد الاشتباك بين لاعبي أوروجواي ومشجعي كولومبيا من أجل حماية ذويهم من بطش الجماهير، وهو ما يخشى البعض من تكراره في مباريات المونديال المقبل، لاسيما مع ارتفاع نسبة الحضور الجماهيري عن مباريات كأس العالم للأندية الأخيرة.

لقد أراد الفيفا منتجاً عالمياً جديداً للأندية، لكنه قدم نسخة وضعت اللاعبين تحت ضغط بدني هائل، والمشجع أمام تجربة مشاهدة مرهقة ومكلفة، ولكن ماذا عما حدث في تصفيات كأس العالم 2026.. هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الجزء القادم.